سافرتُ مؤخرًا مع زوجي إلى جزيرة القمر الكبرى الجميلة. زرنا موروني، العاصمة، وقرية سيلياني الهادئة. كانت هذه زيارتي الأولى لهذه الجزيرة الاستثنائية، والكلمات تكاد تعجز عن وصف ما عشته فيها.

لا تشبه القمر الكبرى أيّ مكان رأيته من قبل. فالأرض تحكي ماضيها البركاني: التربة سوداء، والصخور سوداء، تذكّر بثورات بركان كارتالا العظيمة. ومع ذلك، تتفجّر من هذه الأرض الداكنة حياةٌ وفيرة مدهشة.

أينما نظرت، كانت هناك أشجار.

أشجار القمر الكبرى العظيمة بين النخيل والبحر
أشجار القمر الكبرى العظيمة بين النخيل والبحر

أشجار المانجو، ونخيل جوز الهند، وأشجار النيم، وشجر الخبز، والموز، والنباتات المزهرة، والأعشاب، وأنواع لا تُحصى تمتد على مدّ البصر. بدا كأن الطبيعة نفسها اختارت هذه الجزيرة لتكون حديقتها المفضّلة. وكثيرًا ما فكّرتُ أن أيّ طبيب أيورفيدي سيقع في حب هذا المكان، فالنباتات الطبية تنمو في كل اتجاه.

كان بيت العائلة في سيلياني دافئًا ومضيافًا، مبنيًّا حول فناء واسع يقضي فيه الأطفال أيامهم ضاحكين لاعبين. يتقاسم الإخوة والأخوات أرض العائلة، لكلٍّ منهم بيته ومساحته، تصلها ممرّات طويلة وغرف كثيرة. بيتٌ يتنفّس معًا كعائلة واحدة.

ومع أن كثيرًا من بيوت الجزيرة مسقوفة بألواح الصفيح البسيطة، فإن الداخل يكشف عالمًا آخر: سجّاد جميل، وستائر أنيقة، وأرائك مريحة، وغرف نوم مرتّبة بعناية تحت الناموسيات، ومطابخ مجهّزة جيدًا، ومطبخ في الهواء الطلق تُطهى فيه الوجبات على النار. البساطة والكرامة تعيشان جنبًا إلى جنب.

كانت من أعظم مسرّاتي أن ألعب مع الأطفال. كانوا يتكلّمون القمرية، وأنا الإنجليزية، ومع ذلك لم تكن اللغة عائقًا قط. كنا نتفاهم بالابتسامات والضحك والإشارات والمودّة. كانوا ينادونني بحنان «تيثالينا»، وكنت أحب أن أسمع اسمي يتردّد في الفناء.

وسرعان ما منحتُ صبيَّين شقيَّين جدًا اسمين جديدين: «الزعيم الأول» و«الزعيم الثاني». صغيران في الحجم، عظيمان في الشخصية، كانا يحكمان البيت بثقة لطيفة.

كل صباح، كان إخوة زوجي يحرصون على أن أشرب ماء جوز الهند الطازج. لم أذق قبلها ماء جوز هند مقطوفًا من جزيرة. جوزة صغيرة واحدة تحمل قرابة كوبين من ماء حلو منعش، طعمه كدواء من صنع الطبيعة.

يومًا بعد يوم شعرتُ بصحة أفضل. بدا جسدي كأنه يستيقظ، وأشرقت بشرتي تحت الشمس القمرية الدافئة. بعد وقت طويل قضيته في الداخل تحت المكيّفات في الكويت، كان يكفيني أن أمشي حول البيت، وأجلس في الخارج، وأتنفّس نسيم المحيط، وأشرب ماء جوز الهند لأشعر أنني وُلدت من جديد.

لعل الصحة الحقيقية لا توجد دائمًا في الدواء، بل أحيانًا في الشمس والهواء النقي والطعام الطيّب والمحيط الهادئ.

يبقى المنظر من نافذة المطبخ من أحبّ ذكرياتي. على بعد دقائق يمتد المحيط الهندي بلا نهاية، ومن خلفي جبال شامخة، وبينهما بحرٌ من الأشجار الخضراء.

في كل اتجاه كان هناك جمال.

أمسيات تحت الغيوم

كانت الأمسيات لا تُنسى.

كنت أرفع بصري باستمرار. بدت الغيوم منخفضة حتى لكأنها توشك أن تلامس البحر. أحيانًا تصير طيورًا عملاقة تبسط أجنحتها في السماء، وأحيانًا تشبه قطعانًا كبيرة من الخراف مجتمعة، وأحيانًا أخرى تبدو كأنهارٍ تجري في السماوات.

كان الطريق من موروني إلى سيلياني ليلًا أشبه بالحلم. ذكّرتني الغيوم بشلالات نياغارا تنسكب من السماء، وبدت أحيانًا كأن البحر الأحمر ينشقّ أمام عينيّ. ملأتُ آلة التصوير بالصور، لكن أيّ صورة لم تستطع أن تلتقط حقًا ما شعر به قلبي.

أقمتُ أيضًا في فندق «رتاج» الجميل في موروني. أضفت عمارته التراثية وحدائقه وهدوؤه على الإقامة طابعًا فاخرًا حقًا.

شرفة فندق رتاج في موروني تحت سماء عاصفة
شرفة فندق رتاج في موروني تحت سماء عاصفة

ثم أقمت في فندق «أوبيرجين» في قلب فولو فولو بموروني، المطلّ على السوق الشهير. قضيت أوقاتًا طويلة جالسة على تلك الشرفة، أراقب الحياة تجري في الأسفل بهدوء.

الباعة يعرضون بضائعهم. والناس يتبادلون التحية بحرارة. والسيارات والدراجات النارية والعائلات والمتسوّقون يسيرون في الشوارع بإيقاع متمهّل.

وبينما أتأمّل، سافرت أفكاري إلى كبار الشعراء: رابندرانات طاغور، وساروجيني نايدو، وويليام وردزورث، وويليام شكسبير، وروبرت فروست. تساءلت عمّا كانوا سيكتبونه لو جلسوا إلى جانبي على تلك الشرفة.

أكان وردزورث سيكتب قصيدة أخرى في مدح الطبيعة؟ أكان طاغور سيجد أغنية جديدة؟ أكان فروست سيكتشف طريقًا آخر؟ أكان شكسبير سيجد الشعر في السوق؟

مرّت بخاطري أفكار لا تُحصى، ولم أدوّنها للأسف. لكن سطرًا واحدًا بقي معي:

وحين نظرت حولي، نهض في داخلي سؤال آخر بهدوء: إن كانت هذه الأرض تحتضن مكانًا بهذا الجمال الأخّاذ، فكم تكون الجنة أجمل؟

في تلك الأيام القليلة شعرت بالخفّة من جديد. كطفلة. لا هموم، ولا مواعيد، ولا أعباء. لا شيء سوى الجمال. لا شيء سوى الامتنان.

القمر الكبرى ليست بعدُ وجهة يعرفها العالم. السياحة فيها متواضعة، ولعل ذلك جزء من سحرها. يعيش الناس حياة بسيطة متواضعة، والثراء لا يُتباهى به. ثمة كرامة هادئة تخصّ الجزيرة وأهلها.

بعض الرحلات تسلّينا، وبعضها يغيّرنا.

لم تكن القمر الكبرى مجرد بلد آخر زرته. صارت مكانًا جدّد روحي، وذكّرني بأن بعض أعظم كنوز العالم ما زالت مخبّأة، تنتظر بهدوء من يكتشفها.

محيط الرمل الأسود والمرجان الأبيض

كان أحد أحبّ الأماكن إليّ على بعد خمس دقائق سيرًا من البيت. درب ضيّق يتعرّج بين الأشجار، ثم ينفتح فجأة على المحيط الهندي الشاسع.

لم يكن شيء قد هيّأني لما سأراه.

توقعت شاطئًا رمليًا تتناثر فيه الحصى، لكن الساحل لم يكن يشبه أيّ ساحل زرته. لا حصى ناعمة، بل صخور بركانية ضخمة وجلاميد وحجارة من كل حجم، شهود صامتة على ثورات كارتالا قبل سنوات طويلة. بدت الأرض نفسها تروي قصة الجزيرة.

امتدّ الرمل البركاني الأسود أمامي كبساط من المخمل، يلاقي مياه المحيط الزرقاء العميقة. تباين مذهل: أرض داكنة تعانق ماءً متلألئًا.

ثم وقعت عيناي على ما هو أكثر إدهاشًا.

مرجان. مئات ومئات منه. وربما آلاف.

لينا على الشاطئ عند الغروب تحمل قطعتين من المرجان الأبيض
لينا على الشاطئ عند الغروب تحمل قطعتين من المرجان الأبيض

حمله المحيط إلى الشاطئ على مرّ السنين، فاستقرّ تحت الشمس القمرية الدافئة. بعضه كبير يملأ كفّيّ، وبعضه رقيق كالدانتيل. لكل قطعة نقشها الفريد، كأن فنانًا صبورًا نحتها في أعماق البحر.

لا أدري إن كان سكان المنطقة يعرفون أنها مرجان، لكنني عرفت. وجدت نفسي أنحني مرة بعد مرة، ربما مئة مرة أو أكثر، لألتقطها وأقلّبها وأتأمّل نقوشها، وأتخيّل الحياة التي احتضنتها تحت المحيط.

لم يكن الأمر نزهة على شاطئ بقدر ما كان تجوالًا في متحف طبيعي أبدعه البحر نفسه.

وبين المرجان كانت أصداف لا تُحصى. أصداف صغيرة، وأصداف كبيرة. أصداف كاملة، وأصداف مكسورة.

بعضها أبيض كالقشدة، وبعضها يحمل ظلالًا ناعمة من البنفسجي والعنابي والوردي والخمري العميق. وكل بضع خطوات كان كنز جديد ينتظر بهدوء في الرمل الأسود.

كلما وجدت صدفة حلزونية رفعتها إلى أذني كما كنت أفعل في طفولتي، وأصغيت بانتباه آملة أن أسمع همس المحيط الغامض المختبئ في انحناءاتها. لا يهمّ إن كان الصوت حقيقيًا أو من خيال مسافرة فضولية؛ لقد أعاد إليّ دهشة الطفولة.

كان الساحل نفسه تحفة فنية. المرجان الأبيض الناصع المتناثر على الرمل البركاني الحالك بدا كضربات فرشاة رقيقة على لوحة داكنة. ثم تأتي الأمواج فتغسل الشاطئ برفق وتنحسر، تاركة طبقة لامعة جديدة من الأصداف والمرجان.

وقفت هناك طويلًا، لا أكاد أقول شيئًا.

بعض الأماكن لا تطلب منا أن نتكلّم. إنها تطلب فقط أن ننظر. وأن نصغي. وأن نتأمّل.

وصار ذلك الساحل في القمر الكبرى واحدًا من تلك الأماكن المقدّسة التي تبقى في القلب بهدوء طويلًا بعد انتهاء الرحلة.

حيث يُطعم المحيطُ الجزيرة

وأنا واقفة على الساحل، يحيط بي الرمل البركاني الأسود والمرجان الأبيض وزرقة المحيط الهندي اللامتناهية، تركت بصري يسرح نحو الأفق.

في عرض البحر كانت السفن تتجه إلى الميناء محمّلة ببضائع من بلاد بعيدة. وأقرب إلى الشاطئ كان الصيادون، بسترات النجاة، يوجّهون قواربهم الصغيرة فوق الأمواج الهادئة. بعضهم يبحر، وبعضهم يعود بصيد اليوم.

قوارب الصيد على ساحل الحمم السوداء
قوارب الصيد على ساحل الحمم السوداء

وقف زوجي وإخوته إلى جانبي وقالوا بهدوء: «من هنا يأتي سمكنا الطازج. هؤلاء الصيادون يحملونه إلى بيوتنا».

بقيت كلماتهم معي.

للمرة الأولى أدركت كم ترتبط الحياة في الجزيرة بالطبيعة. لا سلاسل توريد طويلة، ولا رفوف مجمّدة في المتاجر. المحيط يعطي السمك كل يوم، والأرض تعطي الفاكهة والخضار، والناس يعيشون في انسجام مع ما يحيط بهم.

كانت وجباتهم من خيرات الجزيرة نفسها:

  • البطاطا واليام والكسافا
  • البطاطا الحلوة والموز
  • جوز الهند الطازج
  • سمك المحيط

كل شيء بدا طازجًا وبسيطًا ومغذّيًا.

في الكويت اعتدتُ أن أشتري كل شيء تقريبًا من المتاجر. ورؤية الطعام ينمو بهذه الوفرة جعلتني أقدّر كرم الأرض حين يعيش الناس قريبين منها.

وكانت بانتظاري في المطبخ مفاجأة صغيرة: فلفل الجزيرة الأحمر. لا يتجاوز حجمه طرف إصبعي الصغير، لكنه يحمل حرارة نارية لم أذق مثلها. يبدو بريئًا جدًا، لكن قوته مذهلة.

ذات يوم أعددت البرياني للعائلة. أردت حرارة خفيفة فقط، فأضفت ثلاث حبات من هذا الفلفل الصغير. وكان ذلك أكثر من كافٍ.

خرج البرياني عطرًا رائعًا، لكن الفلفل أعلن حضوره بقوة لا تخطئها النفس. ضحكت وحدي متسائلة كيف يحمل شيء بهذا الصغر كل هذه النار. وفي لحظة مرح، فكّرت في الطاهي الشهير غوردون رامزي، وفي ملامح وجهه لو تذوّق واحدة من حبات الفلفل القمري هذه. لعلّه هو أيضًا يتردّد قبل أن يطلب أخرى!

مطبخ القمر الكبرى غريب بكل معنى الكلمة. نكهاته جريئة لكنها طبيعية، ومكوّناته طازجة من الأرض والمحيط. كل وجبة تحكي قصة جزيرة أُنعم عليها بوفرة استثنائية.

ونظرت حولي فأدركت أن ثروة القمر الكبرى الحقيقية لا تُقاس بناطحات السحاب ولا بالترف. أعظم كنوزها أرضها الخصبة، ومحيطها الكريم، وحياة أهلها البسيطة الذين يواصلون العيش في شراكة هادئة مع الطبيعة.

ملتحفة بالألوان والبساطة

من أول ما لفت نظري في القمر الكبرى طريقة لباس الناس. بدت ملابسهم مناسبة للجزيرة تمامًا: بسيطة، رشيقة، وعملية على نحو رائع.

كانت النساء يرتدين فساتين قطنية طويلة منسدلة تتمايل مع كل نسمة. ذكّرتني بالفساتين الطويلة الأنيقة، لكنها كانت أكثر من ملابس يومية. كانت تنبض بالألوان.

بنفسجي. وردي. أصفر. أزرق. أخضر. برتقالي.

بدا كل فستان أزهى من الذي قبله. كلما أُعجبت بلون، ظهر لون آخر أجمل. إن لبست البنفسجي رأيت الوردي أحلى، وإن لبست الوردي رأيت الأصفر أزهى. ثم يجذبني الأزرق، فالأخضر الزمردي، فالبرتقالي العميق. كل لون كان يحتفي بشمس الجزيرة.

كانت الفساتين من قطن ناعم يسمح للهواء بالمرور في حرّ المناطق الاستوائية، تنساب برشاقة مع خطوات النساء فتمنحهن أناقة بلا تكلّف. وحين لبست واحدًا منها شعرت كأنني ملكة.

لفت انتباهي اختلاف قيمة القطن بين بلد وآخر. ففي بلدان كثيرة قد تكون ملابس القطن الخالص غالية الثمن. أما هنا، في هذه الجزيرة الدافئة، فالقطن أسلوب حياة: مريح، يسمح بالتنفّس، ملوّن ووفير، والخيار الطبيعي لهذا المناخ.

والرجال أيضًا كانوا يلبسون بوقار هادئ. كثير منهم يرتدي أثوابًا طويلة بيضاء أو بلون القشدة، تشبه «الكانزو» في شرق أفريقيا، تجمع بين الحشمة والراحة. وعلى رؤوسهم قلانس مطرّزة بإتقان لافت، بينما يضع آخرون شالًا خفيفًا على أكتافهم قبل التوجّه إلى المسجد.

لا شيء مبالغ فيه في مظهرهم، لكن في بساطتهم جمالًا عظيمًا. تعكس ملابسهم قيمًا متجذّرة في الجزيرة نفسها: الحشمة، والعملية، والاحترام، والأناقة الهادئة.

وأنا أراقب العائلات تسير في الشوارع، أدركت أن الجمال لا يأتي دائمًا من الأزياء الغالية أو الماركات الشهيرة. أحيانًا يكون في قطن منساب، وألوان مشرقة، وأيدٍ ماهرة، وأناس يلبسون تقاليدهم بفخر.

علّمتني القمر الكبرى أن للبساطة، حين تُعاش برشاقة، جمالًا خاصًا بها.

اللطف الذي جعل الجزيرة بيتًا

يعود جزء كبير من بهجة هذه الرحلة إلى عائلة زوجي وجيرانهم، الذين استقبلوني لا كزائرة، بل كواحدة منهم.

منذ اليوم الأول لم يفكّروا إلا في راحتي.

كان كل صباح يبدأ بفطور ساخن وكوب شاي يتصاعد بخاره، يُعدّ غالبًا من أعشاب طازجة تُقطف من الأرض حول البيت فيحمل عبير الجزيرة. وفي العصر تنتظرني وجبة شهية أخرى. وكلما أردت الاستحمام كان أحدهم قد هيّأ الماء الساخن بهدوء.

لم أضطر يومًا إلى الطلب. كان أحدهم دائمًا قد فكّر في حاجتي قبلي. ومثل هذه العناية لغة تُفهم في كل البلدان.

صارت الأمسيات أحبّ أوقات يومي. كنا نجتمع كلنا كعائلات الزمن الماضي، نجلس معًا بعد انقضاء عمل النهار. ذكّرني ذلك بالحكايات القديمة حين تجتمع النساء حول النار يتقاسمن الحياة ويضحكن حتى آخر الليل.

أكثر ما أدهشني أننا لم نكن نتكلّم اللغة نفسها. هم يتكلّمون القمرية، وأنا الإنجليزية. ومع ذلك كنا نتفاهم. يترجم أحدهم كلامي، ويترجم آخر ردّهم، وتستمر المحادثة، وسرعان ما نضحك جميعًا معًا.

أدركت أن الضحك لا يحتاج إلى ترجمة. ولا اللطف.

ومن أجمل العادات التي عشتها انفتاح المجتمع. ففي الجزيرة يستيقظ الناس باكرًا، وعند السادسة يكون اليوم قد بدأ. وما إن تُفتح البوابات ويعلم الجيران بوصول ضيوف حتى يأتوا ببساطة.

لا اتصال يسأل: «هل الوقت مناسب؟» ولا مواعيد، ولا دعوات رسمية. يأتون بابتسامات دافئة وتحيات طيبة وضيافة صادقة.

يصل جار، ثم آخر. وسرعان ما يبدو كأن الحيّ كله علم بوجودي، وكلٌّ يريد أن يرحّب بي بنفسه.

في البداية تساءلت كيف سأحيّي كل هذه الوجوه الغريبة، لكن كل ابتسامة كانت تذيب أيّ تردّد. لم أعرف أسماء الجميع، ولم أعرف من يقرب من. لكنني عرفت شيئًا واحدًا بيقين تام: لقد جاؤوا ليرحّبوا بي، وليجعلوني أشعر أنني في بيتي. ولم تكن تلك الابتسامات تطلب شيئًا في المقابل.

في المساء كانت العائلة تجتمع كثيرًا لمشاهدة الأفلام. ولشدّة سروري، كان كثير من إخوة زوجي وأخواته والأطفال يحبّون أفلام الفنون القتالية، وخاصة أفلام بروس لي وجاكي شان، ومن أحبّها إليهم فيلم «إيب مان».

ومع أن الحياة في الجزيرة تبدأ باكرًا ويخلد معظم الناس إلى النوم نحو السابعة والنصف أو الثامنة مساءً، كانوا يسهرون قليلًا لأنني كنت هناك. لمستني هذه اللفتة البسيطة بعمق. وفي النهاية كنت أُلحّ على الجميع أن يذهبوا للنوم: «عليكم أن تستيقظوا باكرًا غدًا»، أقولها مبتسمة. فيضحكون، ويتبادلون تحية المساء، ويهدأ البيت شيئًا فشيئًا.

أما أنا فكان النوم يأتيني متأخرًا. ليلة بعد ليلة كنت أجد نفسي في الخارج رافعة عينيّ إلى السماء: النجوم، والقمر، والغيوم العابرة، والنسيم العليل. لم أشبع من هذه الجزيرة الجميلة.

القمر الكبرى ليست مشهورة، ولا تكتظّ بالسيّاح. إنها من تلك الأماكن الهادئة التي لم يسمع بها كثيرون. لكن من يعرفها يعتزّ بها عميقًا.

وصلت زائرة، ورحلت وأنا أشعر أنني وجدت بيتًا آخر.

حين أتذكّر القمر الكبرى سأتذكّر حتمًا جبالها ومحيطها ومناظرها البركانية وسماءها الأخّاذة. لكنني فوق كل شيء سأتذكّر أهلها، فلطفهم هو ما جعل الجزيرة لا تُنسى حقًا.

كنز مخبّأ في المحيط الهندي

وأنا أختم هذه الصفحات، أتأمّل كل ما منحتني إياه القمر الكبرى: الشواطئ البركانية السوداء ومرجانها الأبيض، والمحيط الهندي اللامتناهي، والأشجار الزمردية، والملابس الملوّنة، ونكهات مطابخها الجريئة، وفوق كل شيء لطف أهلها الاستثنائي.

قليلة هي الأماكن التي ما زالت تبدو بكرًا إلى هذا الحد. فبركان كارتالا، أحد أكبر البراكين النشطة في العالم، يحرس الجزيرة. وتسكن مياهها سمكة السيلاكانث، «الأحفورة الحيّة» التي سبحت في هذه البحار قبل الديناصورات بزمن طويل. وتقدّم أسواقها وقراها وأمسياتها تحت الغيوم المنخفضة ما يبحث عنه كثير من المسافرين اليوم: الأصالة، والطبيعة، وضيافة لا تطلب شيئًا في المقابل.

القمر الكبرى ليست بعدُ على خريطة المسافرين. ولعل ذلك أعظم سحرها، وأجمل فرصها.

بعض الرحلات تبدأ بوجهة. أما أجملها فتنتهي بمكان تتمنّى العودة إليه.

وكانت هذه واحدة منها.